سنوات من التقاضي تكشف ملف فساد مالي من أثقل ما يكون


Temp de lecture: 1m.40sec

Thème: Politique

 

13 سنة من النزاع تنتهي بإلزام لزهر سطّا بدفع 28 مليون يورو لشركة "قرطاج للإسمنت"   

بعد رحلة قضائية مرهقة امتدت قرابة 13 سنة، من ديسمبر 2013 الى جانفي 2026، خرجت قضية لزهر سطّا وشركة «قرطاج للإسمنت» من ظلام الملفات القضائية إلى ضوء الأحكام النهائية، مع قرار يُلزم رجل الأعمال بدفع 28 مليون يورو ما يعادل 53 مليون دينار لفائدة الشركة. هذا الحكم، يعكس تطورًا حاسمًا في ملف اقتصادي - جزائي تشابكت فيه خيوط الفساد المالي والنفوذ السياسي والهندسة المالية العابرة للحدود.

من هو لزهر سطّا ومشروعه الذي تحول إلى ساحة نزاع

لزهر سطّا هو مهندس تونسي بدأ مشروعه الصناعي بطموح واضح: تأسيس مصنع إسمنت حديث ومتخصص. في 3 جوان 2006 وجه رسالة إلى وزير الصناعة معبرًا عن رغبته بتأسيس «قرطاج للإسمنت» بالشراكة مع شركة ألمانية متخصصة (Heidelberg). كانت الدراسات الجيولوجية إيجابية، والمشروع واعدًا، وحصل على موافقة ترخيص من السلطات برعاية من الرئاسة في 7 جانفي 2008. لكن البدايات البريئة لم تستمر طويلًا. في موفى 2007، دخل بلحسن الطرابلسي صهر الرئيس الأسبق بن علي الصورة بصفة غير رسمية أولًا، ثم تم تسجيل الشراكة رسميًا في 28 فيفری 2008 عبر شركة وسيطة تدعى "Bina Holding" مملوكة مناصفة بينهما. هذا الدخول لم يكن حدثًا عاديًا. وفق ما ورد في سرديات الملف، عندما حاول سطّا الحفاظ على شراكته الأصلية مع الشركة الألمانية، خاف من الطرابلسي وتراجع تحت ضغط صهر الرئيس الذي أملى عليه: "ينجز المشروع مناصفة بيننا". الرسالة كانت واضحة: بدون النفوذ السياسي، المشروع لن يمضي.

البنية الخفية: من Bina Holding إلى Bina Corp والملاذ الضريبي

بعد تأسيس  Bina Holding، قام سطّا بخطوة تالية في 17 مارس 2008: تأسيس شركة تدعى "Bina Corp"، لكن ليس في تونس بل في الجزر العذراء البريطانية ملاذ ضريبي معروف بـ "سرية الملكية" و"عدم الشفافية المالية". هذا الاختيار لم يكن عشوائيًا. فالتسجيل في الجزر العذراء يعني إخفاء الملكية الحقيقية وراء طبقات قانونية متعددة، وعدم خضوع الشركة لرقابة مالية محلية تونسية، وإمكانية تحويل الأموال دون آثار واضحة. وفي مؤشر على استمرار الاستراتيجية ذاتها، كشفت أوراق  أن سطّا استخدم نفس النمط مع شركة صورية أخرى تدعى "زوليا للتوزيع"، تعامل معها عبر استشاريين ماليين سويسريين. بنية أخرى من التعقيد والإخفاء. وتشير معطيات منشورة إلى أنBina Corp  تمتلك 40.24% من رأس مال «قرطاج للإسمنت».

التضخيم السريع: من 500 ألف إلى 72 مليون دينار

الخطوة التالية في السيناريو كانت الأجرأ على الإطلاق. في 5 فيفری 2009 أي بعد أقل من سنة واحدة من دخول الطرابلسي تم الترفيع في رأس مال Bina Corp من 500 ألف دينار إلى 72.18 مليون دينار بعمليات تضخيم سريعة قياسية. كيف؟ ببيع أسهم بقيمة 42.48 مليون دينار من «قرطاج للإسمنت» إلى Bina Corp نفسها، مع دخول شريك أجنبي جديد برأس مال 29.2 مليون دينار (بتوسيط من الطرابلسي). الشريك الأجنبي لم يكن معروفًا أو ذا أهمية حقيقية في المشروع. كانت العملية واضحة: ضخ أموال سريع، تحويل ملكية، إنشاء تعقيد قانوني.

عقد البناء والعمولات المريبة

في 24 فيفری 2010، تم إبرام عقد بناء المصنع مع شركات أجنبية متعددة: شركة FLS الدنماركية، شركة  Ixon، وشركة Procon. المبلغ الرسمي كان معقولًا على السطح، لكن الجداول الداخلية كشفت حقيقة مختلفة تماما: عمولات مقدرة بـملايين الدينارات موزعة على الشركات الثلاث. كان هذا نهب منهجياً: قرطاج للإسمنت تدفع أسعار مضخمة للشركات الأجنبية، الفارق بين السعر الحقيقي والسعر المضخم ينقسم كعمولات بين الوسطاء والمسؤولين، والأموال تتحول إلى حسابات خارجية وملاذات ضريبية. الآلية كانت بسيطة لكن فعالة جدًا.

 انطلاق الشكاية والقضاء

بعد سنوات من الريح والتستر، قررت شركة «قرطاج للإسمنت» كشف الحقيقة. في 17 ديسمبر 2013، رفعت شكاية جزائية رسمية تتهم لزهر سطّا وبلحسن الطرابلسي وعدة شركات أجنبية بـ "surfacturation frauduleuse"   بقيمة 30 مليون يورو. كان هذا التاريخ 17 ديسمبر 2013 نقطة اللاعودة.

مسار الأحكام:

في 7 فيفری 2019، كان الحكم الإبتدائي و في 15 نوفمبر 2019، قررت محكمة الاستئناف  أدانت لزهر سطّا وبلحسن الطرابلسي بـ 5 سنوات سجن لكل منهما و10 آلاف دينار غرامة، مع إلزام بالتضامن بدفع 30 مليون يورو لفائدة «قرطاج للإسمنت» (كطرف مدني/متضرر) و3 آلاف دينار أتعاب تقاضٍ و محاماة بعد اعتراف الأطراف المقابلة و الإعتماد على تسجيلات مختلفة .

بموازاة ذلك، كانت هناك قضايا فساد مالي إضافية ضد لزهر سطّا. في  سبتمبر 2024، أدانت محكمة ابتدائية لزهر سطّا بـ 8 سنوات سجن و45 مليون دينار غرامة (نهب مال عام، فساد)، لكن في ماي 2025، خفّفت محكمة الاستئناف الحكم بتخفيف السجن من 8 إلى 3 سنوات فقط مع الإبقاء على الغرامة 45 مليون دينار.

قضايا موازية ضد المتعاقدين الأجانب والتسويات الودية

إلى جانب الملف الأساسي المتعلق بـتضخيم في الفواتير، فتحت شركة «قرطاج للإسمنت» مسارات نزاع أخرى ذات طابع تعاقدي/تحكيمي مع المتعاقدين الأجانب، ومن بينهم FLSmidth والمقاولان التركيان EKON وPROKON، إضافة إلى ملفات مرتبطة بعقد الاستغلال والصيانة مع  FLS    . NLS و Global
وتقوم هذه المسارات على مطالبات وتعويضات وخلافات تعاقدية متفرعة عن تنفيذ الالتزامات أو عن إنهاء العقود، وهو ما جعل الشركة تجمع بين التقاضي والتحكيم والتسويات الودية وفق تطور كل ملف.

في ما يتعلق بالنزاع المعروض على التحكيم (CCI) والمتصل بملف "العمولات/الخلافات" على مستوى عقد الاستغلال، وقّعت أسمنت قرطاج يوم 27 ماي 2024 اتفاق تسوية ودّية مع (FLS–EKON–PROKON) تضمّن التزامهم بدفع 12 مليون يورو لفائدة الشركة حوالي 40.36 مليون دينار، وقد تم تنفيذ الدفع فعلياً بتاريخ 01 جويلية 2024.

وفي مسار موازٍ مرتبط بعقد الاستغلال والصيانة، توصلت الشركة إلى صلح مع NLS تضمّن نقاطاً مالية وعينية ظلّ جزء مهم منها غير مُنجز إلى غاية 31 ديسمبر 2024 من أهم ما ورد في هذا الصلح: وجود مبالغ "مجمّدة" على حسابات NLS في تونس قُدّرت بـ 5.2 مليون يورو أي 17.5 مليون دينار لفائدة أسمنت قرطاج، إلا أنه لم يتم استخلاصه إلى غاية 31 ديسمبر 2024 لارتباطه بإجراءات رفع تجميد/إذن من قاضي التحقيق.
كما تضمّن الصلح فسخ/التخلي عن ضمان مالي لفائدة أسمنت قرطاج بقيمة تقارب 3.1 مليون دينار، إضافة إلى التزام بتوفير قطع غيار استراتيجية  بقيمة تقديرية 1.05مليون يورو حوالي 3.2 مليون دينار (الشركة لم تتحصل على هذه القطعة إلى غاية 31 ديسمبر 2024).

ملفات إضافية ضد لزهر سطا

إلى جانب هذه الأحكام والنزاعات صدر حكم جزائي آخر ضد لزهر سطا في ملف مستقل يتعلق بشبهات فساد مالي وإداري، قضى بـ سنوات سجناً وخطية تتجاوز 5 ملايين دينار في جويلية  2025. (مازال قيد النظر)

الحكم النهائي 28 مليون يورو وتفاصيل الاستخلاص

كشفت القوائم المالية للشركة عن تفصيل دقيق لكيفية تقسيم المبالغ بالحساب الجاري للشركاء 52 مليون دينار لفائدة لزهر سطاأصل الدين الأساسي: 23 مليون دينار الحق المشروع والقانوني الكامل وفوائض غير شرعية: 29 مليون دينار سيتم فسخها باعتبارها لاغيه لأن أساسها كان غير قانوني.

إجراءات الاستخلاص حسب المصادر المطلعة ستكون عن طريق حجز أصل الدين (23 مليون دينار) و فسخ الفوائض الغير شرعية (29 مليون دينار) هذا الإجراء لا يتطلب خطوات قضائية إضافية و إستكمال الإستخلاص نقدا أو عن طريق العقلة و الحجز على أسهم Bina Corp التي تمتلك 40% من قرطاج للإسمنت بقيمة تعادل تقريبا 30 مليون دينار هنا تجدر الإشارة إلى أن الشركة مدرجة بالسوق المالية للبلاد التونسية BVMT.

هذه القضية تعكس واقع الاقتصاد التونسي خلال فترة معينة من تاريخه، حيث امتزجت الفرص الاستثمارية الحقيقية مع ممارسات الفساد المنظم والهندسة المالية المعقدة. ما بدأ كمشروع صناعي طموح تحول إلى نموذج واضح للاختلاس الممنهج الذي استغرق استكشافه والتصدي له أكثر من 13 سنة من المحاكمات والمسارات القضائية المتعددة.

وفي المقابل، تشهد هذه القضية على أن النظام القضائي، رغم بطء إجراءاته أحياناً، قادر على الوقوف في وجه الفساد واستعادة الحقوق. وهذه رسالة قوية: في دولة القانون، القضاء هو الحامي الحقيقي للعدالة والمؤسسات الاقتصادية.

 

تونس، 26 جانفي 2026.


Commentaires